القاضي عبد الجبار الهمذاني

55

متشابه القرآن

والجواب عن ذلك ، أن المرض في حقيقة اللغة لا يعقل فيه « 1 » الكفر ، ولذلك لا يوصف الكافر بأنه مريض ولا الفاسق ، كما لا يوصف المؤمن ، لأجل إيمانه وزوال الكفر عنه ، بأنه صحيح . وقد يكون مؤمنا مريضا وكافرا صحيحا ، فلا ظاهر له يتعلقون به . وإنما ظن القوم أن المنافقين في قلوبهم الكفر ، وهو المرض ، فيجب أن يكون المراد بقوله : ( فَزادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً ) ما أريد بالأول ، فبنوا فاسدا على فاسد . والمراد بذلك ، ما قاله أبو علي « 2 » من أن في قلوبهم غما وقلقا بأحوال النبي صلى اللّه عليه ، وعظم نعم اللّه عز وجل عليه فأراد بقوله : ( فَزادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً ) يعنى : غما ، بأن زاد في تعظيم النبي عليه السلام وعظم أحواله ، وعرفهم ذلك ، فكان ذلك هو الغم الذي فعله في قلوبهم ، ومرض القلب لا يعقل في اللغة إلا الغم . ولذلك يقول الفصيح فيمن خبره بما يسوؤه : قد أمرضت قلبي ! . وهذا ظاهر في اللغة . ثم يقال للقوم : إنما يصح أن يقول تعالى ذلك ، على قولنا دون قولكم ، لأنه جل وعز ، إذا كان قد خلق فيهم الكفر الأول والثاني ، فكيف جعل زيادة

--> ( 1 ) في ف : منه . ( 2 ) هو أبو علي الجبّائى - نسبة إلى جباء من أعمال البصرة - محمد بن عبد الوهاب يتصل نسبه بحمران بن أبان مولى عثمان رضى اللّه عنه ، كان شيخ المعتزلة بالبصرة ، معروفا بالورع والزهد ، وإليه تنسب فرقة « الجبائية » أخذ علم الكلام عن أبي يوسف يعقوب الشحام ، رأس معتزلة البصرة في عصره ، وتتلمذ عليه الأشعري ، وأخذ عنه ابنه أبو هاشم الذي آلت إليه الرئاسة من بعده ، وهما يعرفان بالجبائيين ، توفى أبو علي رحمه اللّه عام ( 303 ) انظر طبقات المعتزلة : 80 - 85 . وفيات الأعيان : 398 - 399 ( ترجمة رقم 579 ) .